العلامة المجلسي
134
بحار الأنوار
المعجز لا يحتاج إلى الآلات بخلاف الحيلة فإنها تحتاج إلى الآلات ، ومنها أن المعجز إنما يظهر عند من يكون من أهل ذلك الباب ويروج عليهم ، والحيلة إنما يظهر عند العوام والذين لا يكونون من أهل ذلك الباب ، ويروج على الجهال ومن قال من مخالفينا : إن محمدا لم يكن نبيا لأنه لم يكن معه معجز ، فالكلام عليه أن نقول إنا نعلم ضرورة أنه ادعي النبوة كما نعلم أنه ظهر بمكة ، وهاجر إلى المدينة ، وتحدى العرب بالقرآن ، وادعى مزية القرآن على كلامهم وهذا يكون تحديا من جهة المعنى ، وعلموا أن شأنه يبطل بمعارضته ، فلم يأتوا بها لضعفهم ، وعجزهم كان لانتقاض العادة بالقرآن فأوجب انتقاض العادة كونه معجزا دالا على نبوته . فان قيل : إنما لم يعارضوه لكونهم غبايا جهالا ، لا لعجزهم . قلنا : المعارضات كانت مسلوكة فيما بينهم ، فامرؤ القيس عارض علقمة بن عبدة بن الطبيب وناقضه ، وطريقة المعارضة لا تخفى على دهاة العرب مع ذكائها . فان قيل : أخطأوا طريق المعارضة ، كما أخطأوا في عبادة الأصنام ، أو لان القرآن يشتمل على الأقاقيص وهم لم يكونوا من أهله . قلنا في الأول فرق بينهما ، لان عبادة الأصنام طريقها الدلالة ، وما كان طريقه الدلالة يجوز فيه الخطأ ، بخلاف مسألتنا لان طريقة التحدي هي الضرورة لا يجوز فيها الخطأ ، وأما الثاني ففي القرآن ما ليس من الأقاصيص ، فوجب أن يأتوا بمثله فيعارضوه ، على أنهم طلبوا أخبار رستم واسفنديار ، وحاولوا أن يجعلوه معارضة للقرآن ، واليهود والنصارى كانوا أهل الأقاصيص ، وكان من الواجب أن يتعرفوها منهم ، ويجعلوها معارضة . فان قيل : لا يجوز أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته من حيث إنه ناقض العادة ، فلا يمتنع أن يكون العرب أفصح الناس ، ومنهم جماعة أفصح العرب ، وفي الجماعة واحد هو أفصح منهم ، وإذا أتى بكلام لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بما يقاربه ، فإذا أتى بكلام مختص بالفصاحة لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا